الشيخ حسن المصطفوي

87

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

* ( فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ِ ) * - 18 / 49 . يراد إنّهم متبدّلة حالاتهم من القوّة والشدّة والغلظة إلى حالة ضعف ورخوة ودقّة ، ويتأثّرون ممّا يشاهدون من العظمة والقدرة ومواجهة العذاب والمضيقة . وليست المادّة مستعملة بمعنى الخوف : فأوّلا - إنّ الخوف في مورد توقّع ضرر ، ولا يستعمل بعد تحقّق الضرر ، كما في : * ( مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيه ِ ) * ، * ( مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ ) * . وثانيا - إنّ الخشية هو المراقبة مع الخوف ، فيكون أقوى من الخوف ، فلا يصحّ استعمال الإشفاق حينئذ مع الخشية ، كما في : . * ( وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِه ِ مُشْفِقُونَ ) * ، * ( إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ) * . * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ ) * - 33 / 72 . قلنا في الأمن : إنّ الأمانة هي الطمأنينة والسكون وعدم الاضطراب والتزلزل في قبال التكاليف التكوينيّة والتشريعيّة ، وفي توارد التجلَّيات والإفاضات الإلهيّة . وهذا الاستقرار والتمكَّن والتثبّت في مواجهة هذه الأمور ، وحفظ الطمأنينة والسكون وإدامتها من دون اضطراب : هو تحقّق الأمانة . وهذا مقام روحانيّ يختصّ بالإنسان . وأمّا سائر مراتب الموجودات فهي محرومة عن هذا الاستعداد الذاتيّ ، وضعيفة رخوة في هذا المقام . وهذا معنى كونهنّ مشفقين فيه وفي تحمّله . ثمّ إنّ هذه الأمور مقامات تكوينيّة واستعدادات ذاتيّة فطريّة فطر اللَّه عليها مراتب الوجود ، والإنسان غافل علما وعملا عن استعداده . فإشفاق السماوات والأرض والجبال ليس بمعنى الخوف والوحشة ، بل بمعنى القصور والضعف والرخوة والرقّة الذاتيّة . * ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه ُ لِلْجَبَلِ جَعَلَه ُ دَكًّا ) * ، * ( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَه ُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ ا للهِ ) * ، * ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ) * . . . . * ( قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا ) * .